الشوكاني

158

فتح القدير

سلا عن تذكره تكتما * وكان رهينا بها مغرما يقال أغرم فلان بفلان : أي أولع . وقال مقاتل : مهلكون . قال النحاس : مأخوذ من الغرام ، وهو الهلاك ومنه قول الشاعر : ويوم النسار ويوم الجبار * كان عليكم عذابا مقيما والظاهر من السياق المعنى الأول : أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثناه ومصيره حطاما ، ثم أضربوا عن قولهم هذا وانتقلوا فقالوا ( بل نحن محرومون ) أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا ، والمحروم الممنوع من الرزق الذي لاحظ له فيه ، وهو المحارف ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) فتسكنون به ما يلحقكم من العطش وتدفعون به ما ينزل بكم من الظمأ . واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثرة فوائد الماء ومنافعه ، لأنه أعظم فوائده وأجل منافعه ( أأنتم أنزلتموه من المزن ) أي السحاب . قال في الصحاح : قال أبو زيد : المزنة السحابة البيضاء ، والجمع مزن والمزنة المطر . قال الشاعر : ألم تر أن الله أنزل مزنة * وعفر الظبا في الكنائس تقمع ومما يدل على أنه السحاب قول الشاعر : فنحن كماء المزن ما في نصابنا * كهام ولا فينا يعد بخيل وقول الآخر : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها ( أم نحن المنزلون ) له بقدرتنا دون غيرنا ، فإذا عرفتم ذلك ، فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون بالبعث . ثم بين لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال ( لو نشاء جعلناه أجاجا ) الأجاج الماء الشديد الملوحة الذي لا يمكن شربه ، وقال الحسن : هو الماء المر الذي لا ينتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما ( فلولا تشكرون ) أي فهلا تشكرون نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذبا تشربون منه وتنتفعون به ( أفرأيتم النار التي تورون ) أي أخبروني عنها ، ومعنى تورون : تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب ، يقال أوريت النار إذا قدحتها ( أأنتم أنشأتم شجرتها ) التي يكون منها الزنود ، وهي المرخ والعفار ، تقول العرب : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ( أم نحن المنشئون ) لها بقدرتنا دونكم ، ومعنى الإنشاء الخلق ، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة ( نحن جعلناها تذكرة ) أي جعلنا هذه النار التي في الدنيا تذكرة لنار جهنم الكبرى . قال مجاهد وقتادة : تبصرة للناس في الظلام ، وقال عطاء : موعظة ليتعظ بها المؤمن ( ومتاعا للمقوين ) أي منفعة للذين ينزلون بالقواء ، وهي الأرض القفر كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الأراضي المقفرة ، يقال أرض قواء بالمد والقصر : أي مقفرة ، ومنه قول النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد وقال عنترة : حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم وقول الآخر : ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق ويقال أقوى إذا سافر : أي نزل القوي . وقال مجاهد : المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والاصطلاء والاستضاءة ، وتذكر نار جهنم . وقال ابن زيد : للجائعين في إصلاح طعامهم ، يقال : أقويت منذ كذا وكذا : أي ما أكلت شيئا ، وبات فلان القوي : أي بات جائعا ، ومنه قول الشاعر :